عبد الوهاب الشعراني

28

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

يستدعي معرفة جميع طرق أهل اللسان من سائر قبائل العرب في حقائقها ومجازاتها واستعارتها ، ومعرفة دقائق التوحيد وغوامضه إلى غير ذلك مما هو متعذر جدا على أكابر علماء عصرنا فضلا عن غيرهم . وإذا كان الإنسان يعجز عن تحرير معتقده في عبارة ، فكيف يحرر اعتقاد غيره من عبارته فما بقي الحكم بالتكفير إلا لمن صرح بالكفر واختاره دينا ، وجحد الشهادتين وخرج عن دين الإسلام جملة وهذا نادر وقوعه ، فالأدب الوقوف عن تكفير أهل الأهواء والبدع والتسليم للقوم في كل شيء قالوه مما يخالف صريح النصوص . أه . كلام السبكي . قلت : وقد أخبرني شيخنا الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري بمصر المحروسة أن شخصا وقع في عبارة موهمة للتكفير فأفتى علماء مصر بتكفيره . فلما أرادوا قتله قال السلطان جقمق هل بقي أحد من العلماء لم يحضر ؟ فقالوا نعم الشيخ جلال الدين المحلي شارح المنهاج . فأرسل وراءه فحضر فوجد الرجل في الحديد بين يدي السلطان . فقال الشيخ ما لهذا ؟ فقالوا كفر . فقال ما مستند من أفتى بتكفيره فبادر الشيخ صالح البلقيني وقال قد أفتى والدي شيخ الإسلام الشيخ سراج الدين في مثل ذلك بالتكفير . فقال الشيخ جلال الدين رضي الله عنه : يا ولدي أتريد أن تقتل رجلا مسلما موحدا يحب اللّه ورسوله بفتوى أبيك خلوا عنه الحديد فجردوه وأخذه الشيخ جلال الدين بيده وخرج والسلطان ينظر فما تجرأ أحد يتبعه رضي الله عنه عنه . وكان الشيخ محيي الدين رضي الله عنه يقول كثيرا : ما يهب على قلوب العارفين نفحات إلهية ، فإن نطقوا بها جهلهم كمل العارفين ، وردها عليهم أصحاب الأدلة من أهل الظاهر وغاب عن هؤلاء أن اللّه تعالى كما أعطى أولياءه الكرامات التي هي فرع المعجزات فلا بدع أن ينطق ألسنتهم بالعبارات التي يعجز العلماء عن فهمها . أه . قلت : ومن شك في هذا القول فلينظر في كتاب المشاهد للشيخ محيي الدين ، أو كتاب الشعائر لسيدي محمد ، أو في كتاب خلع النعلين لابن قسي ، أو كتاب عنقاء